أخبار عاجلة
ألمانيا تدين إطلاق صواريخ من غزة على إسرائيل -
مقتل عنصرين بداعش الإرهابي في نينوي -

من الحرائق إلى الانتفاضة: شعب جديد في ثلاثة أيام

من الحرائق إلى الانتفاضة: شعب جديد في ثلاثة أيام
من الحرائق إلى الانتفاضة: شعب جديد في ثلاثة أيام

استيقظت في 14 تشرين الأول الماضي، وكانت ليلتي الأولى في العاصمة الفرنسية باريس بداعي العمل، على صوت إحدى معلّمات ابنتي في مدرسة الكرمل سان جوزيف في المشرف (جبل لبنان) مستنجدة بالأهالي والمعارف، بصوت يرتجف يتملّكه الرهاب: "يا ريت تساعدونا الحرايق صارت على باب المدرسة والراهبات محاصرات داخل الدير، يا ريت تتصلوا بأي مسؤول بالدولة ينقذنا بأي حدا من معارفكن ممكن ينقذنا".

صرت أرتجف. شعرت بأن الموت قريب منّا جميعاً، ونحن وحيدون لا أحد يريد إنقاذنا.  بكيت. وبكيت أكثر وكأنني في قلب المدرسة. شعرت ببرد شديد بل صقيع يُخدّر ساقيّ. تراءت إلى ناظري تلك الطفلة التي ماتت قبل ثلاث سنوات تقريباً من البرد في أحد مخيمات اللجوء السوري في لبنان. لا أعرف لماذا لا تغيب تلك الطفلة من بالي. ربما هي تمثّلنا نحن الشعب الأعزل الذي سرقوه على مدى سنوات طوال، وذلّوه ثم تركوه يتألم وحده حتى يموت!

ضغط نفسي بلا توقف
تخيّلت لو اشتعل الحريق وكانت ابنتي الوحيدة (5 سنوات) التي قررتُ ألا يكون لها أخ ولا أخت عن سابق اصرار وتصميم، نظراً للظروف الاقتصادية "العظيمة"، في المدرسة! عادت إلى ذاكرتي في أقل من لحظة حوادث الحرب الأهلية كلها، ومشاهد بيتنا الذي أحرقه زعران الميليشيات خلال الحرب، لأنهم وجدوا كتباً "كافرة" في مكتبة أبي اليساري. شعرت بأن المدرسة التي اخترتها لابنتي عن سابق إصرار وتصميم نظراً لنظامها العَلماني ورئيستها المثقفة، التي تعمل مع فريق عمل مهنيّ على بناء مواطن صالح وحرّ قبل ان يكون تلميذاً نجيباً، سأخسرها إلى الأبد. أحسست أن ذاك الصرح الجامع لأطفال من كل الطوائف والمذاهب والفئات الاجتماعية، الذي يُشعرني أنا كأم في الأربعين كلّما أوصلت ابنتي صباحاً إليه، بسكينة وارتياح، كأنني أدخل دار جدتي ولا أريد الخروج منها. شعرت أن المدرسة التي هي سندي وتقف بجانبي في كل الأوقات، خصوصاً عندما توقفت المؤسسة التي كنت أعمل فيها عن دفع مستحقاتي، ستختفي! طبعاً بدأت بلوم نفسي ولوم زوجي لأننا لم نهاجر. كانت دموعي تنهمر ليس بسبب الحرائق وحسب، بل بسبب الضغط النفسي الذي نعيشه منذ سنوات على كل المستويات، خصوصاً بعدما فقدتُ مهنتي وعملي وأحلامي، وصار معظم أقاربي وأصدقائي مصابين بالسرطان وتذلّهم المستشفيات لتعالجهم، وعائلتي كلها تقريباً خارج البلاد. كأن شيئاً ما عالق في حلقي يكبّلني، منذ صار عندي مسؤوليات وطفلة أرسم لها مستقبلاً لا أعرف مصيره. كان القلق يؤرقني ويسرق نومي ويحوّل مزاجي المرح إلى نكد.

قبل أن أترك بيروت بيوم واحد طلبتُ من زوجي جدياً أن نهاجر. لم أعد أحتمل التهديد الذي أتعرّض له في قوتي وعملي ونظام العمالة كله ومستوى الحريات والقلق الذي يتملّكني منذ سنوات. لم أعد احتمل أن أرى ابنتي تكبر وأنا لا أضمن لها إن كنت سأقدر على تسديد قسط المدرسة في السنة المقبلة، ولا أضمن أنه سيكون لنا تأمينٌ صحي أو ضمان اجتماعي.. كثير من الأسئلة لا جواب لها، آخرها أزمتا البنزين والدولار اللتان ذلّتانا بكل ما للكلمة من معنى.

من الحريق إلى الثورة
... حملت هاتفي وأنا "أتشهشق" من البكاء وأرسلت رسالة صوتية إلى كل من أعرف من مستشاري الوزراء اللبنانيين، بحكم عملي كصحافية ومستشارة علاقات عامة.  شعرت أنني يجب أن أفعل شيئاً، وأنا مكبّلة هنا في غرفة صغيرة في فندق فخم. ثم لا أعرف لماذا اتصلت بالصديقة نوال مدلّلي، التي تربطها علاقات عمل مع وزيرة الداخلية ريّا الحسن وقلت لها "نوال نحنا بحاجة للمساعدة الراهبات محاصرات في المشرف بالمدرسة يا نوال..." لم أقوَ على متابعة جملتي. لكن نوال التي تعرّفت عليها مع بدء الثورة السورية،  حين كنت ومجموعة أصدقاء نساعد بشكل فردي اللاجئين السوريين في إيجاد مأوى ومأكل وملبس وطبابة، لا تردّ لي طلباً. كانت دائماً مستعدّة للمساعدة، حتى عندما اتصل بها لإنقاذ سيدة يعنّفها زوجها ويأسرها في المنزل. اتصلت بي نوال "رنا ما تخافي الوزيرة طلعت على المشرف هلق مباشرة رح يجيبوا طائرات من قبرص. كوني بخير البلد كلو عم يبكي مثلك على الحرائق"..

فتحت اللابتوب ورحت أجول بين محطات التلفزة والفايسبوك لأكون قريبة من الحدث. كان الألم يعتصر قلبي مع كل جذع شجرة يحترق ومع كل دخان يلوّث الهواء ومع كل عائلة تهرب ويحترق بيتها.. اتصلت بهيا التي كانت في منزل جدّتها فقالت لي "ماما أنا كتير مقهورة لأنو ما في مدرسة، بس انت ما تبكي لأنو نحنا التلاميذ رح نرجع نزرع شجر وورود".

ضحكتُ لتفاؤل هيا وتمنّيت لو يثور جيل هيا يوماً ويعوّض عن كلّ ما مررنا به من خيبات، ويستعيد أموالنا المنهوبة وكرامتنا واستغباءنا وأحلامنا التي احترقت كما احترقت أشجار الأحراج.

لكن الوقت كان أسرع من تمنياتي. يومان كانا كفيلين بتحويل أمنيتي إلى حقيقة. 17 تشرين الأول لبنان يثور بوجه السلطة الفاسدة وارتفاع الضرائب و..و. تخلّفت عن مواعيدي في باريس، تخلفت عن السياحة والمشي في شوارع المدينة الجميلة، وحبست نفسي مع الفايسبوك وشاشات التلفزة. لن أعدّ لكم كم مرّة بكيت، وكم مرّة صرخت، وكم مرّة اقشعرّ بدني. لم أكن أصدّق أنّ هؤلاء المنتفضين هم من لبنان، ويثورون في شوارع طرابلس والنبطية وصور وشمسطار وبعلبك والهرمل وبيروت وعكار.. كنت أًصل الليل بالنهار كي لا يفوتني أي خبر. لا أخفي عليكم أنني اعتقدت أن الأمر حلم. فقد كنت يائسة من البلد وبتّ لا أشعر بانتمائي إليه. بتّ أشعر نفسي غريبة بين غالبية من الناس صارت جزءاً من النظام الطائفي الفاسد وتماهت معه إلى درجة التوأمة. كنت لا أجد نفسي متأقلمة مع محيطي العائلي، ولا القروي، ولا المديني، ولا جيراني، ولا زملاء في مؤسسات كثيرة عملت فيها. كنت أفتخر بأني شخص لا منتمٍ إلى شيء. كانوا يصفونني بالـ"مشكلجية" لأنني لا أسكت عن الخطأ وأدافع عن المظلوم، حتى لو كان ذلك مكلفاً على الصعيد الشخصي. يئست من التنمّر وثقافة الفساد والتشاطر وحديث الـ هم والـ نحن، حتى قررت أن أكون مسالمة بل عمياء، "أطنّش" كي أكمل نهاري بسَتر وسلامة. كان بعض أصدقائي يصفني بالطوباوية مستهزئاً، أو تصفني صديقة برنا الرأي والرأي الآخر.

كان شيء في داخلي يريد أن يصرخ، ولكن الخوف بات ينسحب إليّ فيُكبلني، لكن ناس الثورة أعادوا إليّ نفسي.

"باركينغ" الثورة
... تركت العمل ومواعيد الأطباء الذين جئت لأراهم في باريس بعدما فقدت الثقة بكثير من الأطباء في لبنان، الذين يستعجلون وصف الأدوية ولا يعطونك وقتاً لشرح حالتك ويدبّون الرعب في نفسك. وتركت الفندق لأتابع أخبار الثورة مع أصدقاء سوريين متحمسين أكثر مني للثورة اللبنانية. هم أيضاً تسمّروا أمام الشاشات غير مصدقين ما يحصل. يتناقلون الأخبار والفيديوهات من مختلف المناطق اللبنانية. يتسابقون من منهم يعرف أخباراً سارة أكثر عن الثورة اللبنانية. كانوا يُعوّضون بثورتنا عن ثورتهم المغدورة.. حتى صديقتي الفرنسية سيلين التي تعرف لبنان جيّداً، تحمّست وتابعت معنا التفاصيل.

صرنا لاحقاً كجمهور كرة القدم نجتمع فقط لنتابع أخبار الساحة ونغني الهيلا هيلا هو جميعاً. ونتسابق من يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي موقفاً أجرأ من الآخر. استغربت سيلين هذه الثورة المفاجئة، فسألتني: "عندما تركتِ لبنان ألم يكن هناك تحضيرات أو أخبار عن إمكانية ثورة، ألم يكن هناك تلميحات؟ قلت لها: "لم يكن هناك إلا سبات عميق، لكنني كنت أرى الوجوم على وجوه الناس كنت أرى ترقّباً وحذراً".

تلك كانت ثورة عبر الشاشات، وكنا نراها عظيمة وأعطتنا زخماً من الحماسة والتفاؤل. لكن الواقع على الأرض كان له طعم مختلف. عندما عدت إلى بيروت، اكتشفت في الساحات وطناً جديداً. وطن ممتلئ بالحب والحماسة والطاقات الواعدة. إكتشفت مختبرات وورش عمل لوطن يولد من جديد من رحم "باركينغ" أحاله الناس إلى مساحات لقاء ونقاش وتخطيط وحوار.

ساحات حوّلها النظام السياسي والاقتصادي والاداري الفاسد إلى مواقف سيارات فارهة وصل بنا الحال ان نملكها ولا نملك الوقود لتعبئتها.

مساحة حب
هنا في رياض الصلح وساحة الشهداء، تحوّلت الوجوه الحزينة إلى متفائلة. هي ليست ساحات لعدّ الرؤوس وعرض عضلات الأحزاب الطائفية، و"زوم إن" و"زوم أوت"، بل ساحات ترسم كيفية التحركات واستراتيجيتها. ساحات فيها وجوه لم نعهدها في الاعتصامات الرتيبة التي نحن جيل الثمانينات والتسعينات كنا نحسبنها "جريئة". ساحات ملوّنة بأفراد من خلفيات متنوعة تُغني المشهد والنقاش البنّاء. ساحات صارت خيماً وحلقات اجتماعات ومساحات حب. هنا يجتمع صحافيون يخططون لنقابة بديلة، ومهنيون ومهندسون وأساتذة يبحثون في مطالب وطنية جامعة، وناشطون بيئيون يحاورون الناس مباشرة حول طرق الفرز والتخفيف من التلوث من دون خطابات وزير البيئة وتنمّره ومن دون خطط مؤسسات عالمية وتمويل بملايين الدولارات..

هنا عمّال يبحثون في تاريخ نقابات نشأت على أسس طائفية كانت تتنصل دائما من دورها والوقوف إلى جانب العامل. نقابات بمعظمها تحولت إلى صناديق بريد للسطة الفاسدة. هنا أطباء وممرضون وطلاب مدارس.. هنا اقتصاديون يشرحون استغلال نظام المصارف لعرق الناس وجبينهم وصبايا وشباب يسألون "شو بدو يصير بودائعنا؟" و"كيف بدنا نسترجع الاموال المنهوبة؟".. هنا نسويات يكملن مسيرة طويلة منذ انتفاضات معمل غندور إلى قانون الحضانة والمشاركة السياسية الفعلية للمرأة، وصولاً إلى تغيير النشيد الوطني ليحمل اسمهن ويساويهن في المجتمع مع شركائهن الرجال: "منبت للنساء والرجال". 

هنا ليست ثورة فقراء، بل ثورة وطن يريد حرية ومساواة ومواطنية واقتصاد منصف واستعادة الاموال المنهوبة وإيقاف الهدر. هنا طاقات ايجابية تنتشر كالعدوى بين الناس من الصغار إلى الكبار. هنا ناشطون عمرهم من عمر الثورة ليس أكثر من عشرين يوماً، يكتبون قانوناً للمحاسبة ويريدون قضاء عادلاً ومستقلاً.

هنا شعب يتوالد في ساحات الباركينغ لينفي الشائعات والبروباغندا والأخبار الكاذبة. هنا أطفال مشرّدون لفظتهم المدينة ومنعتهم حتى من الشحاذة فيها، فأتوا ليكونوا جزءاً من الشارع.

هنا استعادت الساحات ما تخلّفت عنه أحزاب الرأي الواحد، واسترجع الناس الدردشات والمناقشات التي هي من مهمة الجامعات والأحزاب والنوادي. هنا خلع الناس شاشات التلفزة التي ملّت من خطابات السياسيين التافهة وأكاذيبهم المرتدية بدلات باهظة. هنا الإعلام البديل والصوت الحقيقي للناس. هنا "قصر الشعب".

السابق أب يبيع ابنته لينفق الأموال على متعه الشخصية .. تفاصيل مؤلمة
التالى شاهد| صورة نادرة لـ هند رستم وابنتها تمارسان هذه الرياضة