أخبار عاجلة
عمرو دياب يطرح "قدام مرايتها" و "متغير" -
أردوغان يعلّق على رسالة ترامب -

الاستعداء على مصر.. درس تاريخي

الاستعداء على مصر.. درس تاريخي
الاستعداء على مصر.. درس تاريخي

وإليكم تفاصيل الخبر الاستعداء على مصر.. درس تاريخي

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يبدو أن الجهل بالتاريخ، وتجاهل قراءة واستيعاب دروسه، هو أحد عوامل ما يسمى «الصيرورة» التى لها معانٍ لغوية وفلسفية قد تصب فى أنها الانتقال من حال إلى حال، بما فى ذلك انقضاء ظواهر لتولد ظواهر أخرى، وأظننا بصدد حالة من حالات الجهل بالتاريخ وتجاهل دروسه، ممثلة فى جبهتين: الأولى بعض رجال الأعمال فى مصر، والثانية حركة الإخوان المسلمين ومن ارتضوا أن يكونوا رديفًا مساندًا لها وساعيًا لما تريده. ولن أتكلم عن الحالة الأولى فى هذا المقال، وأتجه مباشرة للحالة الثانية، التى أصبحت غارقة تمامًا فى مستنقع التورط مع جهات خارجية إقليمية ودولية تريد حصار وتقويض التجربة المصرية المرتبطة بثورة 30 يونيو، والتقت إرادة الإخوان وحلفائهم مع إرادة تلك الأطراف الخارجية، وأصبح كل طرف منهما يسعى لمزيد من توريط الآخر، دون أن يفطن الإخوان- ومن معهم- إلى أن درس التاريخ البعيد نسبيًا- والقريب أيضًا- يؤكد أن الاستعانة بالخارج والرهان عليه لتغيير أوضاع مصر رهان خاسر، والعجيب فى ذلك الدرس أنه سواء كانت الاستعانة بالخارج من أجل تحقيق هدف وطنى نبيل أو من أجل عكسه فإنها تفشل.. وكلنا أو بعضنا يذكر أنه فى أوج احتدام النضال الوطنى ضد الاحتلال البريطانى والسعى لنيل الجلاء والاستقلال، حاول الزعيم الوطنى، خالد الذكر، محمد فريد أن يطور العلاقة مع جهات أجنبية لتساعد الحزب الوطنى فى تلك المهمة المقدسة، وباع محمد فريد باشا معظم الأرض التى ورثها عن أبيه، وتقدر بخمسمائة فدان، من أجل دعم النضال الوطنى، ووصل الأمر إلى أنه أفلس ومات فى الغربة بطريقة مؤلمة ولم يجد من يعينه، وتطوع أحد التجار من الغربية لدفع نفقات عودة جثمان محمد فريد!.

ثم جاءت فترة أخرى، بعد قيام ثورة يوليو 1952، واحتدام الصراع بين توجهاتها وتوجهات الإخوان وبعض الشخصيات غير الإخوانية، وكان من بين هذه الشخصيات محمود أبوالفتح وشقيقه أحمد أبوالفتح، حيث يجسد الأول محنة المعارض أو المناوئ المصرى الذى يظن أن الخلاف مع النظام والصدام مع قيادته يبيحان كل محظور، على قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، ومن هذا المحظور استدعاء جهات خارجية للمساعدة أو للعمل الفعلى على إسقاط النظام، أو بالحد الأدنى حصاره والضغط عليه ليقبل ما يريده ذلك المعارض أو المناوئ، دون أن يفطن صاحب الشأن إلى أن مصر هى المضارة وهى الضحية، وأن رصاصته «السياسية والمعنوية» التى يوجهها إلى خصمه كنظام أو كرئيس تمر مباشرة فى جسد الوطن، وهى جريمة لا تسقط بالتقادم ولا تبرر بحال من الأحوال.

وفى لدد الخصومة مع عبدالناصر وخلط الأمور بين المصالح الذاتية الضيقة والأهداف السياسية الشاملة؛ تعاون محمود أبوالفتح مع نورى السعيد، رئيس وزراء العراق، الذى اصطدم مع مصر آنذاك، وسعى مع الغرب لتأسيس حلف بغداد، وسعى للتعاون مع بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، كان محمود أبوالفتح يريد توريد صفقة «أتوبيسات» لمصر، ولكن المناقصة- التى كان يشرف عليها السيد عبد اللطيف البغدادى- رست على «أبورجيلة»، وكان محمود أبوالفتح يريد توريد بنادق عسكرية للجيش، ولكن عرضه رفض، وفاتح شقيقه أحمد أبوالفتح، الرئيس عبدالناصر، أثناء لقاء لمحاولة تنقية الأجواء بين محمود والقيادة المصرية فى شأن الأتوبيسات والبنادق، واعتبار رفضهما معاداة لمحمود، وإذا بالرئيس يبدى ضيقه الشديد، ويتساءل: ما دخلى بالأتوبيسات والبنادق اللى عاوز محمود يبيعها؟!.

والمهم أن محمود أبوالفتح- وهو خال أحد الصحفيين الذين لا يتوقفون لحظة عن مهاجمة ناصر والثورة، متخيلا أن الناس لا تعرف ماذا وراء ذلك- أرسل خطابًا لوزير الخارجية الإنجليزى، ثم لرئيس الوزراء البريطانى، يعرض فيه أن يتعاون بكل الوسائل مع الحكومة البريطانية فى مواجهة النظام القائم فى مصر، وزعم للبريطانيين فى مراسلاته أن لديه تحالفًا موجودًا فى مصر يضم من بين من يضم مصطفى النحاس باشا ومحمد نجيب، وأن لديه ضباطًا يقومون بنشاط، ولديه تنظيم سياسى وتنظيم عسكرى فى الجيش، ثم أرسل للرئيس الأمريكى أيزنهاور رسالة يستعديه فيها على ما سماه «الطغمة العسكرية الفاسدة الموجودة فى مصر»، ثم كانت الطامة الكبرى عندما قام محمود أبوالفتح- ومعه مجموعة- بإنشاء محطات إذاعة معادية لمصر، والمفارقة أن الخارجية البريطانية تشككت فى قدرتهم على فعل شىء، ولكن الذى تبناهم واعتنى بهم أكثر هو المخابرات العسكرية البريطانية، لأن بريطانيا كانت ترتب لعملية غزو مصر والعدوان عليها.

إن التفاصيل كثيرة فى حالة محمود أبوالفتح، وموجودة لمن يريد أن يعرف فى حلقة كاملة أذاعها الأستاذ هيكل فى التليفزيون، ولم يرد عليه أحد، وموجودة فى الوثائق البريطانية التى أضحت متاحة للاطلاع!، وكان الدرس هو أنه لا محمود وأحمد أبوالفتح، ولا الخارج الذى استعانا به استطاع أن يغير الأوضاع فى مصر!.. والحال نفسها مع الإخوان، الذين ذهبوا للسعودية ولبعض دول الخليج وأوروبا، وظلوا يعملون على استعدائها على مصر وعبدالناصر.. ولم يفلحوا، حتى تمت مصالحتهم مع أنور السادات بوساطة سعودية.

ونمضى مع الحقب، لنصل إلى المعارضة ضد أنور السادات، تلك التى انتشرت فى الخارج.. فى لندن وفى باريس وفى طرابلس وفى بغداد وفى بيروت.. وهذا حديث آخر.

[email protected]

السابق لا تصدروا المشاكل للرئيس!
التالى د. فايز رشيد يكتب: خطأ القائمة العربية المشتركة