أخبار عاجلة

جان كوكتو..الكذب غريزة أساسية

جان كوكتو..الكذب غريزة أساسية
جان كوكتو..الكذب غريزة أساسية

وإليكم تفاصيل الخبر جان كوكتو..الكذب غريزة أساسية

القاهرة: «الخليج»

كان «جان كوكتو» (1889 - 1963) شاعراً يكتب للمسرح، وكاتباً مسرحياً يكتب الشعر، وفتحت تلك المواهب المتعددة له أبواب مختلف الفنون، من القصة إلى الرسم، ومن الموسيقى إلى السينما والباليه، وفي جميع نواحي هذا النشاط ظل شاعراً وكاتباًً مسرحياً دائماً، بارع التعبير بالحركة والانطباع والتقابل والحوار، وقد توفي جان كوكتو بعد أن بلغ الرابعة والسبعين من عمره.
جلس كوكتو في كرسي من كراسي الأكاديمية الفرنسية، ضمن الخالدين الأربعين، لكنه اشتهر في جميع أطواره بحبه للجديد، حبّاً يغلب عليه النزق، وبلون من غرور الطفل المدلل لم يتخلص منه تماماً، فكثيراً ما تنقل من بدعة إلى أخرى، لا لشيء إلا لإتحاف أصدقائه وجمهوره، في المناسبات المختلفة والمحافل المشهودة بالطريف المبتكر، وإثارة الدهشة من حوله والتعليقات والثناء، لذلك يصادفه مؤرخ الأدب طوال نصف قرن في طليعة كل مذهب فني مستحدث، وعلى قمة كل موجة أدبية صاعدة، وإن كان هو لا يلبث في كل مرة حتى ينقلب على الوضع الذي استهواه بالأمس القريب، إثباتاً لحريته وأصالته، فهو فنان مطبوع يضيق بالقيود، واستئثاراً في الوقت نفسه دون الجميع بمكان الصدارة.
وفي مسرحيته «صوت مؤنس» التي عرضت على «الكوميدي فرانسيز» سنة 1930 اعتمد على التركيز الشديد والإيجاز، فهي مسرحية من فصل واحد، لا تظهر فيها سوى شخصية واحدة، وتلك التجربة الجريئة خاضها كوكتو عندما أتم الأربعين من العمر، ونجحت التجربة فعادت عليه بمزيد من الإعجاب، وتبناها مسرح «الكوميدي فرانسيز» الرسمي وضمها إلى تراثه، وفي هذه المسرحية تعمد كوكتو أن يأتي نصه رصيناً وبسيطاً، فهو يكتب لأعرق المسارح في فرنسا، ويتميز بهذه المقدرة من شباب الأدباء الذين لا يعترفون بالقديم.
الفكرة الأساسية في المسرحية هي فكرة ازدواج الإنسان، ففي حياة الإنسان شطران متباينان: شطر عزيز عليه، بعيد المنال، يتمنى أن يحققه وأن يعيش فيه سعيداً، وشطر منقوص متعثر يخضع لسلطات الواقع وحدوده، ومن هنا كانت مأساة الإنسان الموزع بين عالمين، إنه يشهد ويقاوم انقسام نفسه، ويسعى بكل ما أوتي من قوة وضعف إلى وحدة الوجدان والمصير، وذلك موضوع خصب يجد فيه الكاتب المسرحي مادة الصراع الدرامي المنشودة.
في مسرح كوكتو، نتبين استحالة الحب المطلق، إنه نفحة لا تسعها دنيا البشر المغلوبين على أمرهم في كل مكان وزمان، وقد يتخذ الفراق المحتوم صورة الموت وتتجلى نظرة كوكتو تلك إلى عاطفة الحب في كثير من أعماله لا سيما في أربع مسرحيات: «فرسان المائدة المستديرة - رينو وأرميد - الحسناء والوحش - العودة الأبدية»، على أن مسرحية «صوت مؤنس»، تمتاز قبل كل شيء بأنها مسرحية لصوت واحد، فهذه امرأة نراها ولا نعرف اسمها، تخاطب في التليفون رجلاً لا نعرف اسمه ولا نراه، إنهما عاشقان يتحدثان حديثهما الأخير، ويتبادلان الوداع، ويلح اليأس على المرأة التي تصلى نار الفراق، وترهب الوحشة المقبلة، يتضح في الأكاذيب التي تمليها على هذه المرأة لوعتها، فهي لا تقول لصاحبها ما تفعله أمامنا، بل تريد أن تبقى على حبها ما استطاعت، ولن تنصرف عن لعبة الاستخفاء التي ترتجلها إلا بعد أن يزهد الرجل في الكذب.
انفراد شخصية واحدة بالكلام دون أن يراها الطرف الآخر، تبين مأساة الزيف والازدواج في أقصى درجاتها، فليست هنا بيئة اجتماعية معينة تضطر الفرد إلى الممالأة والنفاق والتلون، بل إن الكذب ينبع مباشرة من نفس الإنسان، وكأنه غريزة أساسية، مادام عليه أن يراوغ الشقاء، وأن يتشبث بآخر وهم من أوهام السعادة، وهذه المسرحية مستمدة من الحياة العادية، وبها طائفة كبيرة من العناصر الشعرية، يعرفها من قرأ دواوين كوكتو، لكنه لا يهتم بالمضمون في تلك المسرحية قدر اهتمامه بالشكل، إنه يضحي بتماسك النص وبلاغته، ويثور على الذين احترفوا صناعة المسرحيات بكتابة حوار محكم يشبه مباريات الملاكمة.

السابق وزير الاعلام : تسليم مقر السفارة اليمنية بطهران خطوة استفزازية
التالى انخفاض نسبة السيدات في الحكومة إلى 14 %